‏إظهار الرسائل ذات التسميات دروس و أخبار علم النفس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دروس و أخبار علم النفس. إظهار كافة الرسائل

ما هو التوحد  ؟
التوحد عند الطفل هو اضطراب يصيب طريقة الطفل في التصرف و التفكير و الاتصال و التفاعل مع الآخرين و الاطفال التوحديين يتأثرون بطرق مختلفة بعضهم عن بعض فالبعض لديه أعراض خفيفة فقط ويستطيع العيش بشكل مستقل  في حين يكون المرض أشد عند آخرين و يحتاج الطفل في حالة التوحد الشديد للدعم المستمر طيلة الحياة من أجل العيش والعمل .
ما هو مدى انتشار المرض ؟
يصيب التوحد طفل واحد من كل 175 طفل في سن الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية استناداً إلى مركز الوقاية و مكافحة الأمراض الأمريكي  و هناك  300،000 طفل في  المدارس ممن يعانون من هذا الخلل. وهو أكثر شيوعاً عند الأولاد منه عند البنات ،وعادة يتم تشخيص حالة الطفل ما بين 15 و 36 شهراً من العمر و أحياناً بعمر متقدم أكثر من ذلك. و لم أستطع العثور على إحصائيات خاصة بالدول العربية حتى تاريخ كتابة هذه السطور !.
 ما هي أسباب التوحد ؟
حتى الآن لا يعرف سبب واضح للمرض و تركز الأبحاث حول احتمال مسؤولية الخلل الكيماوي في الجسم على مستوى الدماغ او المورثات او الجهاز المناعي فكلها قد تتدخل في آلية حدوث المرض . و من الأسباب المتهمة و التي لم يثبت دورها بشكل علمي حتى الآن في ظهور التوحد نذكر : الحساسية الغذائية , زيادة تركيز الفطور في جهاز الهضم , التعرض للسموم البيئية و بعض اللقاحات خاصة لقاح الحصبة و النكاف و الحصبة الألمانية فقد تم نفي الدراسات التي أشارت لمثل هذه العلاقة بين اللقاح و التوحد. من المسببات القليلة التي تؤدي إلى الإصابة بالتوحد إصابة الطفل بـ pku   و بـ ـtuberous sclerosis ولكن معظم الحالات لا يعرف سببها.  حدث بعض التقدم خلال الخمس سنوات الماضية في علم الجينات الوراثية وتعرف البعض على بعض الجينات المسببة للإصابة بالتوحد ومع ذلك تظل هي الأكثر تعقيداً فقد تشتمل على 5 إلى 15 من الجينات المؤدية للإصابة بهذه الإعاقة بالإضافة إلى عوامل بيئية .
كيف يتظاهر التوحد عند الطفل ؟
يعتبر التوحد مرض ذو طيف من الأعراض , أي أن أعراض التوحد تختلف ما بين الأطفال المصابين , ما بين الخفيفة والشديدة فيما يتعلق بقدرتهم على التواصل و عملية التفكير و التفاعل الاجتماعي , ويكون من الصعب تشخيص المرض في كثير من الحالات  بسبب كون المظهر الجسدي الفيزيائي للطفل المصاب بالتوحد  طبيعياً و بسبب اختلاف تطور الاطفال الطبيعيين فيما بينهم, و تكون أبرز أعراض التوحد ما يلي :
  1.  خلل في تواصل الطفل مع من حوله و تتضمن تأخر تطور الكلام و ميل الطفل لتكرار نفس الكلمات و تكلمه بوتيرة متكررة تفتقد لتغير الإيقاع و النغمات
  2. ضعف تفاعل الطفل الاجتماعي
  3. ميل الطفل لتكرار نفس التصرفات و نفس الدائرة الضيقة من الاهتمامات
  4. تصرفات و حركات شاذة مثل إجراء حركات هز متكررة في اليدين أو تشبه حركات غزل النسيج
يكون لدى حوالي ثلث الاطفال المصابين بالتوحد تطور أقرب إلى التطور الطبيعي خلال السنة الأولى او السنتين الأولى و الثانية من العمر ثم يبدأ لديهم التدهور الاجتماعي و الكلامي الخاص بالتوحد فيميلوا عندها لإظهار ما يلي :
  1. حب اللعب على انفراد
  2. عدم الاكتراث بالأطفال ممن يلعبون حوله
  3. حب ترتيب الأشياء و فرزها حسب الألوان
  4. صعوبة التواصل البصري بالعينين مع الآخرين
فإذا أبدى الطفل أي من الأعراض الثمانية السابقة بشكل ثابت فمن المرجح أن يكون لديه حالة التوحد و عادة يظهر على الطفل أكثر من عرض من هذه الأعراض , علماً انه رغم اختلاف شدة المرض بين الاطفال فان الشيء الثابت بينهم جميعهم كمصابين هو نقص القدرة على التواصل و التفاعل مع الآخرين. 
من التصرفات الأخرى عند مرضى التوحد نذكر :
  • تحدد كلام الطفل بعدة كلمات او عبارات مكررة
  • التوقف الفجائي عن التكلم بشكل كامل لفترات
  • عدم قدرته على تلبية حاجات التواصل مع المحيط
  • تجنب الاحتكاك الجسدي مع من حوله
  • الميل للبقاء وحيداً
  • نادراً ما يلعب الطفل التوحدي الألعاب المثيرة و التخيلية
  • الميل للقيام بحركات مكررة مثل تكرار رمي الأشياء و تكرار حركات الهز و الخفقان في اليدين أو حركات النسج
  •  نوبات من الغضب الطويل نتيجة أسباب بسيطة
  • الضحك أو البكاء دون سبب او مبرر
  • لا تبدو عليه بوادر التأثر بالعاطفة أو إظهارها
  • يجد صعوبة في تغيير عاداته اليومية
  • عدم الخوف من المخاطر
  • قد يكون كثير الحركة او بالعكس قليل النشاط
  • عدم الاكتراث للمناشدة الصوتية عند طلبه باسمه او توجيه سؤال ما
  •  إظهاره لردود أفعال غريبة للمؤثرات الحسية خاصة للأصوات العالية المفاجئة
  • يسيطر على الطفل طقس أو تصرف معين كأن يلعب بجزء واحد من اللعبة و ليس كلها
و لكن يجب أن نعلم أن ليس كل طفل لديه حالة توحد يظهر كل هذه التصرفات مجتمعة و إنما قد يكون لديه جزء منها.

كيف يتم تشخيص التوحد عند الطفل ؟

 لا يمكن تحري و تشخيص التوحد عند الولادة او خلال الحمل و لكن يجب أن تعلم أن الأبحاث أثبتت أنه إذا كان لديك طفل مصاب بالتوحد فهناك احتمال بنسبة 10 % لان يكون لديك طفل آخر مصاب بالتوحد أو بمرض مشابه , و بشكل عام فان تشخيص التوحد ليس سهلاً و لذلك من المهم عند الاشتباه به أن يقوم الوالدين بطلب رأي الاختصاصي و الخبير في هذا المجال , فيجب عليك كأب أو أم ألا تتأخر في طلب رأي الطبيب إذا كان لديك طفل عمره سنة و لا يقوم بأي إيماءات و لا يجب الانتظار حتى يصيح عمره سنة و نصف مثلاً ! و لا يوجد فحص واحد مشخص للتوحد و قد يقوم الطبيب بعدة فحوص لاستبعاد أمراض أخرى قبل أن يضع تشخيص مرض التوحد و قد يحتاج الأمر لاستشارة طبيب الأمراض النفسية أو العصبية عند الاطفال.

ما هي العلامات المبكرة التي قد تشير للتوحد عند الطفل الصغير ؟ ( وفق برنامج الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال للتحري المبكر عن التوحد لعام 2007 )
إن وجود واحدة من العلامات التالية يجب أن يثير انتباه الأهل و يتطلب طلب المشورة المتخصصة :
  • لا يقوم الطفل الدارج (أول المشي ) بالإلتفات لمصدر لفظ اسمه
  • لا يقوم الطفل الصغير بالنظر الى ما يشير إليه أحد الوالدين بالقول : أنظر إلى .......
  • لا يقوم الطفل بتقديم نفسه للأهل عند قيامه بعمل ما أو بحمل شيء ما
  • تأخر اكتساب الطفل الصغير لمهارة الابتسام
  • فشل الطفل في التواصل البصري بالعينين مع الأهل
علاج التوحد : أساس معالجة التوحد هو وضع برنامج علاجي مبكر و خاص طويل الأمد من قبل فريق متخصص
ماذا تفعل إذا تم مؤخراً تشخيص التوحد عند طفلك ؟

سيقوم عندها فريق متعاون بالإشراف على حالة الطفل و ذلك الفريق يمكن أن يشمل :

  1. طبيب أطفال متخصص في تطور الطفل
  2. طبيب الأمراض النفسية عند الاطفال
  3. طبيب متخصص في الكلام و اللغة
  4. مساعد اجتماعي متخصص
  5. أستاذ متخصص في تدريب الاطفال ذوي الحاجات الخاصة
و يعتبر وضع الطفل تحت إشراف هكذا فريق هاماً و هذا يؤمن الخدمات العلاجية و التثقيفية للطفل من خلال برنامج خاص و دقيق و سيركز العمل على تعليم الطفل كيفية التواصل مع الآخرين عن طريق الكلام و بطرق أخرى مثل الإشارة و الرسوم و لغة الإشارة سعياً لإخراج الطفل من دائرة اهتماماته الضيقة و شده نحو أشياء جديدة بطريقة التشجيع الايجابي و من خلال وضع الطفل في أجواء اجتماعية. و قد يتحاج بعض الاطفال المصابين بالتوحد لبعض الأدوية مثل مضادات الاكتئاب التي تخفف من الحركات المكررة و آخرين قد يحتاجون للمنبهات لتخفيف فرط النشاط أو مضادات الاختلاج أو مضادات الذهان. و أفضل ما يتم هذا الإشراف في مركز متخصص لمعالجة مثل هذه الحالات حيث بدأت هذه المراكز بالتواجد في أكثر البلدان و قد يكون مناسباً في حال عدم توفر مثل هذه المراكز وضع الطفل في المدرسة العادية أو مدرسة خاصة توفر الوسائل التعليمية و التثقيفية  الداعمة لمثل هذه الحالات , و تشمل الأعمال اليومية للطفل خلال العلاج أعمال المهارات اليومية مثل الطبخ و التسوق و عبور الشارع و نشاطات أخرى تقام بشكل جماعي للأطفال لتشجيعهم على المبادرة.
يشمل برنامج العلاج أيضاً تخفيف الشدات عن الطفل من خلال توفير ما يلي في المركز:
  1. القليل من الأبواب و المسالك
  2. توفير حمام في الصف او قريب من الصف
  3. قاعة خاصة للتعليم فيها أدوات الشرح و التعليمات
  4. قاعات خاصة للتعلم الخاص و أخرى للتعلم الجماعي
يجد بعض الأهالي ممن لدى أطفالهم حالات شديدة من التوحد أن وجود الطفل يستنزف طاقاتهم و يحرمهم العيش بشكل طبيعي و بنفس الوقت لا يستطيع هذا الطفل الاستمرار في المدرسة العادية و يحتاج هؤلاء الاطفال للإقامة في المركز الخاص بالتوحد.
وسائل علاجية أخرى :
يجب العلم أن فائدة هذه الوسائل مختلف فيها و غير مؤكدة و لا يوجد دليل علمي يؤكد فائدتها و عليك استشارة الطبيب قبل استخداماها, فقد تفيد أو تضر و منها :
  1. طريقة تسهيل التواصل بمساعدة لوحة مفاتيح الكومبيوتر أو لوحة الرسوم
  2. هناك بوادر مشجعة لإمكانية استخدام هرمون السيكريتين في علاج التوحد عند الأطفال و هي لا زالت قيد الدراسة
  3. قد تفيد ممارسة السباحة مع الدلافين و طريقة التلقيم العصبي الراجع و العلاج بالموسيقى
  4. العلاج بالتدرب على المهارات الاجتماعية
  5. بعض الحميات مثل الحمية الخالية من الغلوتين و مشتقات الحليب
  6. بعض الفيتامينات و الأدوية المضادة للقلق و الكورتيزون
  7. إزالة السموم من المنزل في حال وجودها
كيف يمكنك كأب أو كأم تساعد طفلك المصاب بالتوحد ؟
يسبب علم الوالدين بتشخيص التوحد عند طفلهم الكثير من القلق والتشويش لهم , و قد يغضبون و يحالون رفض التشخيص و عدم قبوله في البدء, و هم بهذه الحالة بحاجة للدعم النفسي و من ثم تركيز الجهود على كيفية علاج الطفل و مساعدته على  النمو الطبيعي ما أمكن و عليك كشخص مسؤول عن طفل لديه التوحد أن تعلم أن الطفل التوحدي يتعلم بشكل رئيسي من خلال اللعب و يجب بالتالي مشاركته باللعب و إليك بعض النصائح للتعامل مع طفلك المصاب:
  1. حاول أن تكون متفقاً مع طفلك و لديك إلى حد ما روتين منزلي و خارج المنزل
  2. اجعل لطفلك مكاناً يشعر فيه بالراحة و الأمان
  3. قم بالثناء على طفلك كلامياً و عزز ثقته بنفسه فعند قيامه بعمل ما أتركه لفترة إضافية يلعب مع لعبته المفضلة
  4. قدم له المعلومات عن طريق الصور و الرسوم و لغة الإشارة و الرموز و تقليد الوضعيات إضافةً للشرح بالكلام
  5. أظهر له الحب والحنان ما أمكن رغم رفضه لها أحياناً
  6. حاول أن تضم طفلك إلى مجموعة الاطفال المصابين بمرضه للعلاج الجماعي في منطقتك

...تابع القراءة

مراجع مهمة
Barcker, W. and Newson, L. (1979). «The development of social cognition:definition and location». In S. Mogdal and C. Mogdal (eds), toward a theory of psychological development, Windsor , NFER.
Biggs, J.B.& Collis, K.F.(1982). Evaluating the quality of learning:  The SOLO taxonomy.         Sydney: Academic Press .
Biggs, P.J. Moore (1993).Process of learning, New York, London, Toronto, Sydney: Prentice Hall, Third edition.
Case, R. (1992). «The role of central conceptual structures in the development of children’s scientific and mathematical thought». In A. Demetriou, M. Shayer & A. Afklides (eds), The modern theories of cognitive development, London: Routledge and Kegan Paul.
Case, R. (1985). Intellectual development : A systematic reinterpretation, New York: Academic Press .
Case, R. (1982). Cognitive development . New York : Academic Press .
Case, R. (1984a). «The process of stage transition : A neo-piagian view». In W. Kessen (ed), Mecanisms of cognitive development . New York : Freeman .
Case, R. (1984b).. Intellectual development . New York : Academic Press .
Damon, W.(1981). «Exploring children’s social cognition on two fronts», in J.H. Flavel (ed), Social cognitive development: frontiers and possible futures, Cambridge: Cambridge University Press.
Das, J.P. (1984). “Aspects of planning”. In J.R. Kirby (ed), Cognitive strategies and educational performance .Orlando, San Diago,San Francisco,New York, London : Academic Press INC .
Das, J.P., Kirby, J.R. & Jarman, R.F. (1979). Simultaneous and successive cognitive processes . New York : Academic Press .
Demetriou, A. (ed),(1988). The neo-piagetian theories of cognitive development. Amsterdam: North-Holland .
Fischer, K. & Silvern, L. (1985). «Stages and individual differences in cognitive development». Annual Review of Psychology , n° 36 , pp. 613-648
Fischer, K.W. & Pipp,S..(1984).«Processes of cognitive development :Optimal level and skill acquisition ». in R.J. sternberg, (ed). Mechanisms of cognitive development  New York : Freeman .
Fischer, K.W. , Hand, H.H. & Russell, S. (1983). «The development of abstractions in adolescence and adulthood» In M. Commons, F. Richards, & C Armond (eds), Beyond formal operations , New York : Praeger .
Fischer, K.W. & Kennidy, B.P. (1997). «Tools for analyzing the many shapes of development : The case of self-in-relationships in Korea» in E. Amsel.& K..A.Renninger (rds). Change and development : Issues of theory, method and application . London : Lawrence Erlbaum Associates .
Ginsberg, H.P (1981). «Piaget and education». In I.E. Siegel et al (eds), New directions in piagetian theory and practice, Hillsdale: Lawrence Erlbaum.  
Glachan, M. and Light, P.(1982). «Peer interaction and learning: can two wrongs make a right». In G. Butterworth and P. Light (eds). Social cognition: studies of the development of understanding, London: The Harvester Press.
Hamlyn, D.W. (1983). Perception, learning and the self, Routledge and Kegan Paul, LTD.
Hunt, E. (1980). «Intelligence as an information processing concept» . British Journal of Psychology, n° 71. pp. 449-474 .
Kessen, W. (1984). «Introduction . The end of the age of development». In R.J. Sternberg, Mechanisms of cognitive development, New York : Freeman .
Kirby, J.R. (1984),(ed). Cognitive strategies and educational performance Orlando, San Diago, San Francisco, New York, London : Academic Press Inc.
Kirby, J.R. (1984a). “Stategies and processes”. In J.R. Kirby (ed), Cognitive strategies and educational performance .Orlando, San Diago,San Francisco,New York, London : Academic Press INC .
Kirby, J.R. (1984b). “Educational roles of cognitive plans and strategies”. In J.R. Kirby (ed), Cognitive strategies and educational performance .Orlando, San Diago,San Francisco,New York, London : Academic Press INC .
Siegler, R.S. (1997). «Concepts and methods for studying cognitive change», in E. Amsel & K..A.Renninger (eds). Change and development : Issues of theory, method and application . London : Lawrence Erlbaum Associates .
Vygotsky, L.S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. London: Cambridge, Massachusetts, Harvard University Press .
 
...تابع القراءة

- نموذج فيشر
لا يختلف النموذج الذي وضعه فيشر Fischer لتفسير نمو القدرات المعرفيةاختلافا كبيرا عن نموذج كيس.ولعل أهم ما يجمع بينهما هو الاتفاق حول المصادرة التي تقولإن ما يمكن للطفل أن يتعلمه في مرحلة معينة من مراحل العمر لا يتجاوز بعض الحدود. وأما الفرق الجوهري بينهما فيعود إلى اختلاف تصوراتهما للعوامل التي ترسم للقدرة على التعلم حدودها.فبينما يرى كيس أن الذاكرة القريبة المدى هي العامل الأساسي الذي يحدد ما يمكن للطفل أن يتعلمه، يعتقد فيشر أن درجة تعقد بنية المهارات، أو مستواها الأمثل optimal level، هي التي ترسم للتعلم لدى الطفل حدوده القصوى الممكنة..  
إن ما يميزنظرية فيشر هو عدم فصلها النمو عن التعلم. فقد كان بياجيوالبعض ممن ساروا على نهجه يفصلونعمليات النمو عن عمليات التعلم، ويركزون في بحوثهمعلى عملية النمو لاعتقادهم أن النمويسبق فعل التعلم ويوفر الشروط الضرورية لتحقيقه،وكأن التعلم لا يؤثر بدوره في عملية النمو. إن فصل النمو عن التعلم يدل على عدم اعترافهم بأهمية الدور الذي يلعبه العامل الاجتماعي في عملية النمو.
وكرد فعل ضد هذا التوجه اقترح فيشر ومجموعته نظرية أطلقوا عليها اسم «نظرية المهارات»skill theory، وهي نظرية تجمع بين النمو والتعلم.عبر فيشر Fischer وزميله بيب Pipp عن رأيهما في هذه المسالة بقولهما: «إننا نؤكد في عرضنا لنظريتنا على أن التعلم لا يتعارض مع النمو، كما أنعوامل المحيط لا تتعارض فيها مع العوامل المتصلة بالوحدة العضوية [ للفرد]. إننا لا نضع التعلم في مقابل النمو, ولكننا نتعامل معهما على أنهما مترابطان بصورة لا انفصام فيها»(Fischer and Pipp. 1984 , p.46). إن تنامي العمليات المعرفية في نظر هؤلاء الباحثين هو نتاج التفاعل بين عوامل المحيط والعواملالذاتية. ويرتكز تفسيرهم للنمو على مفهومين أساسيينتمت صياغتهما في ضوءأطروحة التفاعل بين الفرد والمحيط،، وهما: مفهوم المستوى الأمثل optimal level ومفهوم اكتساب المهارات skill acquisition.
2-2-1- نمو المهارات
يدل مفهوم المستوى الأمثل على الدرجة القصوى التي يمكن أن يصل إليهامستوى تعقد المهارات التي يمكن التحكم فيها،ولا يمكن بلوغ المستوى الأمثل إذا كانت ظروف المحيط لا تساعد الفرد على استثمار طاقاته إلى أقصى حد ممكن. وأما عملية اكتساب المهارات فتشير إلى القواعد التي تستخدم لتحويل مهارة معينة لجعلها أكثر تعقيدا وفعالية من خلال ربطها بمهارات أخرى.تأخذ المهارات، من وجهة النظر هذه، شكل بنية دينامية متحولة، تتحرك فتتحرك معها عجلة النمو والتعلم.
وأما المبادئ التي تتحكم في دينامية بنية المهارات فهي:التعويضsubstitution، والتركيزfocalisation، والتأليف compounding، والتمييز differentiation، والتناسق المتبادل intercoordination. ويعتبرفيشر وزملاؤهمبدأ التناسق المتبادل هو المسئول الأول عن نقل بنية المهارات من مستوى معين إلى مستوى أكثر تعقيدا. إن هذا المبدأ هو الذي يحدد كيفية التأليف بين المهارات المكتسبة للحصول على بنية جديدة أكثر تعقيدا وفعالية. وتدلنا المبادئ الأخرى، في نظرهم، على المراحل الفرعية التي تمر بها بنية المهاراتخلال كل مرحلة من المراحل النمائية الكبرى. تقوم هذه المبادئ مقام اللامتغير الوظيفي functional invariant في نظريتهم Fischer and Pipp. 1984 , p.46)).
تتحكم المبادئ الخمس السابقة الذكر في عملية اكتساب المهارات وتحويلها، وتحدد مسار نموهاوالمراحل الكبرى والصغرى التي تمر بها. وتجدر الإشارة إلى أن الأفراد الذين ينتمون إلى نفس الفئة العمرية لا يتوفرون بالضرورة على نفس المهارات،ولذلك يتحركون خلال سيرورتهم النمائية في اتجاهات مختلفة. ومعنى ذلك أن النمو لا يسير دائما في اتجاه خطي تصاعدي كما يعتقد بياجي. وما يدل على ذلك، في نظر فيشر، هو كيفية تعاقب مراحل النمو الفرعية التي تتخلل المراحل النمائية الكبرى المطابقةلمراحل العمر. فقد لاحظ فيشر وجود فروق جوهرية في كيفية تفاعل الأفراد الذين ينتمون إلى نفس الفئة العمرية مع موضوع معين، وتبين له أن طريقة معالجة المعلومات تختلففي تفاصيلها من فرد إلى آخرفي سياق كل مرحلة من المراحل النمائية الفرعية. ويعتبر هذا الاختلاف من أهم مظاهر الفروق الفردية.يفسر فيشر الفروق بين الأفراد في النمو والتعلم بمجموعة منالمتغيرات الشخصية ومتغيراتالمحيط الاجتماعي. ويؤدي التفاعل بين هذه المتغيرات إلى تشعب مسالك عملية النمو، وتسير في اتجاهات مختلفة.ومن هذا المنطلق عرف فيشر وزميله كندي النمو  بأنه:(Fischer and Kennedy, 1997, p 118)  :
» كل نوع من أنواع التغير المنتظم، ولا يشمل فقط التصاعد أو التراجع في اتجاه خطي، بل يشمل أيضا الأنماط المعقدة كالتذبذب بين نقطتين أو الارتقاء الذي يظهر عبر سلسلة من القفزات والكبوات «
ولعل ما يدعم هذه الفكرة هو التنوع الملاحظ في سلوك الأفراد الذين يعالجون نفس الموضوع، والاختلاف الكبير في الأفكار التي يشكلونها عنه. يرى فيشر أن المفاهيم العامة، كمفهوم القدرة أو الكفاية، لا تعكس ذلك التنوع. إن مفهوم القدرة لا يسمح بالتمييز في الأداء بين عدة مستويات بشكل دقيق، ويرجع السبب في ذلك إلى صعوبة التمييز في القدرة ذاتها بين مستويات عديدة ومتنوعة. وعلى العكس من ذلكيمكن التمييز في المهارة بين عدة مستويات، ومن ثمة يمكن إقامة علاقة بين مستويات الأداء ومستويات المهارة، بحيث يمكن القول إن مستوى الأداء يتحدد بالمستوى الذي يقف عنده الفرد في استخدامه للمهارة التي يوظفها لمعالجة مهمة معينة.
وبالإضافة إلى ذلك فإنه غالبا ما تكون المفاهيم العامةالمستخدمة لوصف السيرورة النمائية مضللة بسبب اختزالها الشديد للواقع وإغفالها للتفاصيل. لذلك يبدو النمو وكأنه يسير في اتجاه خطي تصاعدي عندما يصفه الباحثون في ضوء المفاهيم العامة، وعندما تؤخذ التفاصيل بعين الاعتبار يبدو مساره متعرجا ومتشعبا. يمكن القول بعبارة أخرى إنه عندما يجري التحليل على مستوى المقولات العامة يبدو النمو كما لو كان يسير في اتجاه خطي تصاعدي، وعندما يجرى التحليل على مستوى السلوك الفعلي بأبعاده المتعددة والمتنوعة يبدو مساره متشعباوغير خطي. يستعمل فيشر صيغة بلاغية خاصة عندما يتعرض لوصف النمو المتشعب المسالك كبديل عن الصيغة التقليدية التي تشبهه بالسلم، حيث شبهه بنسيج الشبكة وأغصان الشجرة للتأكيد على ديناميته المتذبذبة ومده وجزره في كل مرحلة من مراحل العمر. يدل هذا التشبيه على أن الفرد يمر خلال كل طور من أطوار النمو بعدة مراحل مختلفة ومتزامنة، تعكس كل مرحلة منها درجة تعقد المهارات المستخدمة لمعالجة المهام المرتبطة بحقلمعين من الحقول المعرفية التي يتمتع كل واحد منها بنوع من الاستقلال النسبي الذي لا يلغي التقاطع مع غيره من الحقول الأخرى. بإمكان كل مدرس أن يلاحظأن مستوى نمو المهارة التي يوظفها التلميذ لمعالجة القضايا المرتبطة بمادة دراسية معينة قد يختلف عن مستوى نموهافي مجالات دراسية أخرى،يبدو التلميذ وكأنه ينتقلمنمرحلة عمريةإلى أخرىعندما ينتقل من مادة دراسية إلى أخرى. يدل ذلك على أن وتيرة النمو تختلف باختلاف المجالات المعرفية، ويدل أيضا على أن طبيعة الموضوع تؤثر في بنية المهارات، كما يدل على أن المشكلة لا تكمن فقط في القدرة على نقل المهارة من حقل إلى آخر، ويدل أخيرا على أن «العقل ليس وحدة كلية، ولكنه يتكون من أجزاء مستقلة»Fischer and Kennedy. 1997. p. 123))، بحيثيمكن التأليف في كل وضعية متميزة بين بعض العناصر أو الأجزاء لتشكيل بنية جديدة من المهارات تكون على درجة معينة من التعقيد.
.يشبه فيشر وكندي مسالك النمو بشبكة نسجت من الحبال. يتكون كل حبل منها من مجموعة من الخيوط المجدولة. تمثل الخيوط فيها المهارات، وتمثل الجديلة بنيتها،وترتبط كل جديلة من جدائل الشبكة بمجال معين من مجالات النشاط المعرفي. تدل كل جديلة على مجموعة من المهارات التي تنمو كل واحدة منها عبر سلسلة من المراحل. وفي كل مرحلة جديدة من المراحل النمائية يعاد تركيب العناصر، وتدمج البنية السابقة في البنية الجديدة بطريقة متراتبة وفقا لما تنص عليه نظرية كيس Case تماما. وكذلك يمكن الحصول على بنية أكثر تعقيدا من خلال الجمع بين جديلتين مما يؤدي إلى ازدياد فعالية الفرد في معالجة المهام المتصلة بحقل معين من الحقول المعرفية. وعلى إثر ذلك تحصل الطفرة في النمو
وتحصل الطفرات أيضا في الحالات التي تكون فيها البنيات مستقلة عن بعضها البعض ومتفاوتة في درجةنموها بسبب انتمائها إلى مختلف المجالات المعرفية.ليس من المستبعد، إذن، أن يطرأ التحول في مختلف البنياتفي نفس الفترة الزمنية، وذلك على الرغم من التفاوت الموجود في درجة نمو مختلف المهارات التي تندرج في تكوينها. ولكن هذه الطفرات المتزامنة تأخذ أشكالا عديدة ومتنوعة كالتشعب، وتغيير الاتجاه، والاندماج.يدل التنوع في شكل الطفرات على التباين الموجود بين مختلف الحقول المعرفيةفي كيفية تنظيم المهارات، كما يدلعلى أن المهمة المعرفية تؤثر في المهارة وتحدد مستوى نموها.
تميز نظرية المهارات في السيرورة النمائية بين ثلاث مراحل كبرى أو ثلاثة أطوار: الحسي-الحركي، والتمثلي، والتجريدي. وفي كل طور من هذه الأطوار تمر المهارة خلال نموها بعدة مراحل،وتزداد درجة تعقدها كلما انتقلت من مرتبة إلى أخرى. وتشتمل الأطوار الثلاثة على عشر مراتب، وتمثل المرتبة الأخيرة في كل طور بداية الطور الموالي.
فخلال المرحلة الحسية-الحركية،التي تمثل الطور الأول في السيرورة النمائية، يكون الطفل في البداية قادرا على إدراك وفهم سلوك بسيط واحد، ثم إنه لا يلبث أن يكتسب القدرة على ربط هذا السلوك بسلوك آخر بسيط ليألف منهما وحدة سلوكية متميزة. وخلال المرحلة الثالثة من الطور الأول يكتسب القدرة على التأليف بين الوحدة السلوكية السابقة ووحدة سلوكية أخرى في إطار نسق متكامل من الوحدات السلوكية الحسية-الحركية. وفيالمرحلة الأخيرة من هذا الطور يصبح قادرا على التأليف بين مختلف الأنساق السلوكية الحسية-الحركية ليشكل نسق الأنساق الذي يدل على أنه استبطن مختلف أنواع السلوك الحسي-الحركي وحولها في ذهنه إلى تمثلات. فعندمايتمكن من إدراك العلاقة بين سلوك الطبيب وسلوك المريض، مثلا، يتمثل دور الطبيب. يحصل هذا الأمر في حوالي السنة الرابعة أو الخامسة من العمر.
ويلج الطفل طوره النمائي الثاني في حوالي السنة السادسة أو السابعة من العمر، عندما يكتسب القدرة على الجمع بين تمثلين. ويستمر في التأليفبين التمثلات على نحو تصاعدي، وتزداد درجة تعقد المهارات أكثر فأكثرإلى أن يتشكل نسقمتكامل من التمثلات. وفي المرحلة الأخيرة من الطور الثاني يؤلف بين أنساق التمثلات ليبني نسق الأنساق الذي يضاهي المفهوم المجرد.يحصل هذا التحول في حوالي السنة العاشرة أو الثانية عشرة من العمر.
وينطلق طور التجريد في حوالي السنة الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من العمر عندما يكتسب الفرد القدرة على الربط بين المفاهيم في إطار نسق مجرد. ويبلغ التجريد درجة عالية في نهاية الطور الثالث عندما يتشكل نسق الأنساق المجردة الذي يدل على قدرة الفردعلى إدراك المبدأ المنظم للوقائع التي تختزلها المفاهيم. يحصل هذا التحول في حوالي الرابعة والعشرين أو السادسةوالعشرين من العمر(1983; (Fischer and Pipp. 1984 ; Fischer Hand and Russel.
يمكن القول بصفة عامة إنه كلما ازدادت درجة تعقد المهارات وبلغت حدها الأقصى في نهاية كل طور إلا وحصلت الطفرة التي تنقل الفرد من التمثل إلى المفهوم، ومن المفاهيم إلى المبدأالعام المنظم للمعلومات.وتجدر الإشارة إلى أن تحديد المراحل الزمنية قدتم في ضوء نتائج البحوث الميدانية التي أجريت على عينة من الأفراد الذين ينتمون إلى الشرائح الوسطى من المجتمع الأمريكي.
 والملاحظ أن مراحل النمو التي كشف عنها فيشر تشبه إلى حد كبير المراحل التي وصفها كيس Case. ولكن التشابه بينهما يقف عند هذا الحد. هناك في العمق اختلاف جوهري بينهما فيما يتعلق بتصوراتهما لآليات النمو. فبينما يرى كيس أن السيرورة النمائية تتوقف على تنامي الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى، يعتقد فيشر أن دينامية النمو تتحدد قبل كل شيء بالقدرة على تنظيم السلوكات والمهارات. وبينما يرى كيس أن المهارات تظل ثابتة بعد تشكلها، يؤكد فيشر على أن عملية تشكل المهارات هي عملية مستمرة لا تتوقف في أية مرحلة من المراحل النمائة إلى أن تصل إلى الحدود القصوىالتي يرسمهاالمستوى الأمثل في كل طور.
2-2-2- مستوى النمو الأمثل
يتبين في ضوء نموذج فيشر أن بنية المهارات تسير خلال مراحل نموها بوتائر متفاوتة في اتجاهات مختلفة. ولا يحصلالنمو في إطار هذا النموذج بطريقة تلقائية،على عكس ما يوحي به نموذج كيس،لأن بنية المهارات تخضع في سيرورتها النمائية لتأثير مجموعة من العوامل العاطفية-الوجدانية، وتتحدد بمدى قوة الحوافز ومقدار الدعم الذي يتلقاه الفرد من الوسط الذي يعيش فيه. تساعد هذه العوامل على الزيادةفي وتيرة النمو،وتحدد موقع الفرد فيما يسميه فيشر وزملاؤه بمدى النمو development rangeالذي يتراوح بين الحد الأدنى الذي يدل عليه مفهومالمستوى الفعلي functional level  والحد الأقصىالذي يدل عليه مفهوم المستوى الأمثل optimal level.
ومن هذا المنطلقعرف فيشر مدى النمو بأنه المسافة الفاصلةبين المستوى الفعليوالمستوى الأمثل لنمو المهارات في مجال معين من المجالات المعرفية خلال مرحلة معينة من مراحل العمر. ففي ظل الشروط المثلى بفصح سلوك الطفلعن الحد الأقصى الذي وصل إليه نمو قدراته العقلية ومهاراته. ويرتفع مستوى الأداء ليصل إلى حدوده القصوى الممكنة عندما يجد الطفل من يوجهه ويساعده على التعلم، ويدعم مبادراته وسعيه إلى تحقيق أهدافه،وعندما يكون قد اعتاد على العمل وأصبح قادرا على تنفيذ المهامبكيفية فعالة بسبب كثرة الممارسة وقوة الحوافز.
يدل مفهوم المستوى الأمثل على أقصى ما يمكن للطفل أن يحققه من إنجازات في ظل الشروط المثلى.ويدل مفهوم المستوى الفعلي على ما يمكنه إنجازه في غياب هذه الشروط، أي في الظروف العادية. يدل مفهوم المستوى الأمثل إذن على الحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه درجة تعقد المهارات في الظروف المساعدة؛ويدل مفهوم المستوى الفعلي على الحد الأقصى الذي يصل إليه نمو المهارات في الظروف العادية. ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى أن مفهوم النمو الأمثل هو مفهوم مشتق من مفهوم «منطقة النمو القريب المدى»the zone of proximal development  الذي بلوره العالم السوفياتي فيكوتسكي قبل عدة عقود خلت(Vygotsky, 1978; Fischer Bullock. Rotenberg and Raya, 1993 )
يؤدي مفهوم المستوى الأمثل وظيفة أساسية في نظرية المهارات. يقوم هذا المفهوم مقام المؤشر الذي يدل على طبيعة النمو ومراحله في نظرية فيشر، ويستعمل باعتباره المعيار الذي يبين ما إذا كان الفرد قد انتقل بالفعل إلى مرحلة نمائية جديدةأم أنه لازال حبيس المرحلة التي يوجد فيها.وتكمن أهمية هذا المفهوم أيضا في أنه يأخذ بعين الاعتبار عوامل المحيط،ويبرز دورها في تحديد وتيرة النمو وفي حدوث الطفرات. فعندما يعتاد الفرد على العمل في الظروف المثلى يرتفع مستوى الأداء ليصل إلىحدوده القصوى، وترتفع وتيرة النمو تبعا لذلك، وتحصل الطفرةفي النمو بعد فترة قصيرة نسبيا، ويرتفع المستوى الأمثل لينتقل إلى الأفق الجديد الذي يتجه إليه بصره. وعندما يكون مستوى الأداء مطابقا للمستوى الفعلي أو غير بعيد عنه تتباطأ وتيرة النمو، ويحصل التغير بطريقة تدريجيةعلى امتداد فترة زمنية طويلة نسبيا. وخلال الفترة التي يتجدد فيها المستوى الأمثل تميل بنية المهارات إلى التغير بسرعة في الحقول المعرفية المألوفة. وعندما يتجدد المستوى الأمثل ويصبح قائما بالفعل تتباطأ وتيرة نمو المهارات في تلك الحقول المعرفية، ويكون ذلك بداية طور جديد، وهكذا دواليك.
ولا تتوقف السيرورة النمائيةأبدا، إذكثيرا ما يجد المرء نفسه أمام مهمة جديدة تتطلب معالجتها توظيف المهارات المكتسبة في بعض الميادين التي لم يعتد على التعامل معها بدرجة كافية، وهنا يجد نفسه مضطرا إلى صقل تلك المهاراتوالاعتياد على تطبيقها من أجل تعميماستعمالها على الرغم من أن الظروف التي تحيط به لا توفر له من أسباب الدعم والمساعدة ما يكفي لتحقيق هذه الأهداف. ويؤدي الجهد المبذول لصقل المهارة وتعميم استعمالها إلى تشكل بنية جديدة من المهارات، وعندئذ تكونالشروط المعرفية قد تهيأت لارتفاع المستوى الأمثل وانفتاح الفرد على أفق جديد.يمكن القول بناء على ذلك إنه يتعين على الفرد أن يُعِدّ لكل حقل من الحقول المعرفية التي يقتحمها لأول مره بنية خاصة من المهارات تتناسب مع الحقل الجديد.وتتحدد درجة تعقد البنية الجديدةبطبيعة المستوى الأمثل المتاح.
يلعب المستوى الأمثل دورا مهما في عملية النمو، فهو الذي يحدد ما يمكن للفرد أن يتعلمه، ويحدد المهارات التي يمكنه اكتسابها،ويتحكم في القدرة على تطبيق قواعد التحويل الخمس، وينبئ بالمرحلة النمائية التي يمكن للفرد ولوجها. فإذا كانت المرحلة الأخيرة من الطور الأول، مثلا، هي التي تمثل المستوى الأمثل بالنسبة لطفل في الرابعة أو الخامسة من العمر، فسيكون باستطاعة هذا الطفل أن يتمثل دور الطبيب، ولكنه لن يكون قادرا على التنسيق بين المهارات التي تؤهله لتمثل مختلف الأدوار من أجل إدراك علاقة التفاعل بينها. وكذلك الحال بالنسبة لقواعد التحويل الأربع الأخرى، فإن إمكانية تطبيقها من أجل إحداث نقلة في بنية المهارات تتحدد بطبيعة المستوى الأمثل في مرحلة معينة من المراحل النمائية. فإذا كان الطفلفي بداية طوره النمائي الثانيقد اكتسب القدرة على تطبيق قاعدة التأليف على مستوى الأدوار للخروج بفكرة التفاعل بينها، فإنه لن يكون قادرا على تطبيقهاخلال تلك المرحلة على مستوى التفاعل بين وحدات الأدوار المتفاعلة التي تم بناؤها،ولذلك تظل كل وحدة من وحدات الأدوار المتفاعلة منفصلة عنبعضها البعض. تمثل كل وحدة من وحدات الأدوار المتفاعلة في المرحلة الأولى من الطور الأول نسقا من التمثلات. ولن يتمكن الطفل من التأليف بين الأنساق التمثلية إلا بعد مضي حوالي ثلاث أو أربع سنوات، أي بعد أن يكتسب القدرة على بناء نسق الأنساق التمثلية الذي يضاهي المفهوم المجرد.
وهكذا، فإن كل مستوى أمثل جديد يجعل الفرد أمام تحديات جديدة، لأنه يرفع سقف المطالب فيما يتعلق بالقدرات التي يتعين على الفرد اكتسابها ليكون قادرا على تطبيققواعد التحويل الخمس. ذلك لأن تطبيق قواعد التحويل من أجل تغيير بنية المهارات الأكثر تعقيدا يتطلب مجهودا أكبر من المجهود الضروريلتغيير بنية المهارات الأقل تعقيدا، ولذلك يعجز الفرد على تطبيقها في بداية كل مرحلة جديدة. ومع مرور الوقت يرتفع العجز تدريجيا، ويبدأ بتطبيق القواعد البسيطة كالتعويض والتمييز والتركيز إلى أن يكتسب القدرة على التنسيق والتأليف. ولا تتشكل هذه القدرة إلا بعد أن تظهر مقومات المستوى الأمثل الجديد في أفق قريب المدى.
يخضع النمو المعرفي، من وجهة النظر هذه، لإكراهات المستوى الأمثل لا لإكراهات الذاكرة القريبة المدى.. وتجدر الإشارة إلى وجود علاقة بين المستوى الأمثل وعامل السن: ففي كل مرحلة من مراحل العمر يتشكل المستوى الأمثل من جديدفي نفس الفترة الزمنية على وجه التقريب لدى جميع الأفراد العاديين الذين ينتمون إلى نفسالفئة العمرية والذين يعيشون في ظروف اجتماعية متماثلةـ ويمر جميع أفراد الفئة بنفس المراحل، وتحدث كل طفرة في فترة محددة من فترات العمر بالنسبة إليهم جميعا. تحدث الطفرة الأولى لدى الأطفال في السنة الرابعة من العمر، وتحدث الطفرة الثانية في السنة السادسة، وتأتي الطفرة الثالثة في حوالي السنة الحادية عشرة من العمر. يتطابق هذا التحقيب مع التحقيب الذي اقترحه كل منروبي كيس Case وجون بيغس Biggs وغيرهما (Siegler,. 1997). وتظهر الطفرات لدى المراهقين والراشدين في حوالي السنة الخامسة عشرة، والتاسعة عشرة، والخامسة والعشرين Fischer. 1984 . p. 51)). وفي أعقاب كل طفرة تزداد بنية المهارات قوة وفعالية، ويرجع الفضل في ذلك إلى انبثاق المستوى الأمثل الجديد في الأفق القريب.
ومن المزايا المترتبة عن ازدياد درجة تعقد بنية المهارات المصاحب للطفراتاتساع الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى. ذلك لأن الذاكرة النشيطة تصاب بالإتخام في نهاية كل طور من الأطوار النمائية بسبب تضاعف عدد الوحدات أو العناصر المعرفية التي يتعين على الفرد معالجتها في آن واحد. ففي نهاية الطور الأول، مثلا، تزداد قدرة الطفل على تمثل الوقائع، فينتج من التمثلات ما لا يستطيع التحكمفيه، ويزداد الضغط على الذاكرة القريبة المدى.ذلك أنه كلما تضاعف عدد الوحدات التي يتم إنتاجها إلا وتقلصت الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى،ويتواصل الضغط على الذاكرة النشيطة إلى أن تستنفذ طاقتها. وعندما يصبح الفرد قادرا على التأليف والتنسيق بين مجموعة من الوحدات يتحرر جزء مهم من حيز الذاكرة القريبة المدى لفترة من الزمن، ثم إنها لا تلبث أن تصاب بالإتخام من جديد كلما ازداد الضغط عليها. وعندما يتمكن الفرد من التنسيق بين التمثلات في إطار نسق متكامل يتحرر جزء من حيز الذاكرة النشيطة مرة أخرى، ثم تصاب بالإتخام عندما تتكاثر الأنساق التي تشكلت على ذلك النحو. وعندما يتمكن الفرد من اختزالأنساق التمثلات في مفهوم مجرد تتسع طاقتها الاستيعابية من جديد، حيثيتشكل النسق الكلي الذي يساعد على تحريرها، وهكذا دواليك. يدل ذلك على وجود علاقةبين الذاكرة القريبة المدى والمستوى الأمثل. يتوقع في ضوء هذه النظرية أن تزداد قدرة الذاكرة القريبة المدى كلما ارتفع المستوى الأمثلوكلما ازدادت درجة تعقد بنية المهارات في كل مرحلة من المراحل النمائية. يقول فيشر وبيب بهذا الصدد(Fischer and Pipp. 1984, p. 71):
 »إن ارتفاع المستوى الأمثل يزيد من قدرة الفرد على معالجة المعلومات، لكن ازدياد القدرة لا يترتب عن الزيادة في كمية المعلومات التي يتم الاحتفاظ بها في الذاكرة النشيطة، بل عن التغير الحاصل في طبيعة البنية التي يمكن التحكم فيها. إن بروز المستوى الأمثل الجديد يمنح القدرة للفرد على إعادة تنظيم مهاراته بطريقة أكثر فعالية. وهكذا، فإن حصول نقلة في المستوى الأمثل يزيد من موارد الذاكرة، لأن المستوى البنيوي الجديد يؤدي إلى معالجة المعلومات بفعالية أكبر «    
تتضمن هذه الفقرة إشارة إلى نظرية كيس Case المتعلقة بنمو الذاكرة القريبة المدى. يبدو أن فيشر وزميله يتفقان معه حول نقطة واحدة على الأقل، وهي أن قدرة الذاكرة القريبة المدى تنمو مع مرور الزمن، ولكنهما يختلفان معه فيتفسير هذه الظاهرة. فبينما يرى كيس أن الزيادة في فعالية الذاكرة القريبة المدى تتجلى من خلال قدرة الذاكرة على استيعاب عدد أكبر من المعلومات في كل مرحلة جديدة، يعتقد فيشر وزميله بيب Pipp أن الأمر لا يتعلق بكمية المعلومات بل بكيفية تنظيم المهارات. وليس معنى ذلك أن كيس لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الكيفي في عملية النمو، فقد سبقت الإشارة إلى مدى أهمية مبدأ دمج البنيات في نظريته، وهو ما ألح عليه فيشر بدوره في حديثه عن مبادئ التحويل. والفرق بين فيشر وكيس هو أن هذا الأخيريفسر عجز الذاكرة القريبة المدى بتزايد كمية المعلومات التي يتعين على الفرد معالجتها في لحظة واحدة، ويرتفع العجز عندما يكتسب القدرة على دمج عمليات معالجة المعلومات بعضها مع البعض الآخر، مما يؤدي إلى اتساع الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى، فيرتفع مستوى الأداء؛بينما يرى فيشر أن الفرق بين البنية الجديدة والبنية السابقة لا يكمن في كمية المعلومات التي يمكن لهذه البنية أو تلك أن تستوعبها،بل في درجة الفعالية في معالجة المعلومات التي يرسم المستوى الأمثل الحدود القصوى التي يمكن أن تصل إليها في كل مرحلة نمائية.
خلاصة
على الرغم من الاختلافات الجوهرية بين أفكار كل من فيشر وكيس وغيرهما من البياجيين الجدد ثمة نقاط تقاطع ذات معنى بينهم. ولا عجب في ذلك إذا علمنا أنهم ينطلقون جميعا من مرجعية مشتركة. ترجع جذور أفكارهم جميعا إلى بياجي وعلم النفس المعلوماتيوعلم النفس الفارقي الذي جعلهم يأخذون بعين الاعتبار الفروق الفردية في النمو ويحاولون تفسيرها. ويستطيع المحلل أن يلمس في أعمال بعضهم إلى أي حد كان تأثير عالم النفس السوفياتي فيكوتسكي Vygotskyسائدا وقويا. لقد أمدهم هذا المفكر الذي سبق عصره بتصوراته وأفكاره ببعض المفاهيم الأساسية التي مكنتهم من إدراج عوامل المحيط في معادلات النمو والتعلم.
ومع أن هؤلاء الباحثين ينطلقون جميعا من أرضية واحدة فإنهم تعاملوا معها بطرق مختلفة، وتأثروا بها بدراجات متفاوتة. وهذا شيء طبيعي، وهو ما يفسر نقاط التلاقي والتقاطع والاختلافبينهم. فهم يعتقدون مثل بياجي أن متغيرات السن والنضج ترسم لقدرة الطفل على معالجة المعلومات في كل مرحلة من مراحل العمر حدودا لا يمكنه تجاوزها،وتحدد بذلك قدرة الفرد على اكتساب المهارات والتعلم. ويرون جميعا أن الإكراهات التي تفرضها عوامل السن ومستوى النضج الفيزيولوجي تخفوطأتها مع مرور الزمن، وتزداد القدرة على التعلم واكتساب المهارات. ولكنهم يختلفون في تصورهم لآليات النمو، حيث ركز كيس على أهمية الدور الذي تلعبه الذاكرة القريبة المدى، بينما أولى فيشر أهمية خاصة لمفهوم المستوى الأمثل. وقد يرجع هذا الاختلاف إلى تباين تقديراتهمالمدى أهمية الدور الذي تلعبه كل من العوامل الفيزيولوجية وعوامل المحيط في السيرورة النمائية. وما يمكن ملاحظته بهذا الصدد هو أن فيشر يولي أهمية كبيرة لعوامل المحيط التي يختزلها مفهوم المستوى الأمثل الذي أخذه عن فيكوتسكي. إن هذه العوامل هي التي تلعب الدور الرئيسي في تنامي قدرة الذاكرة القريبة المدى في نظرية فيشر،بينما تظل هذه العوامل ثانوية في نظرية كيس بالمقارنة مع المكانة التي تحتلها العوامل الفيزيولوجية فيها. ولذلك نجد كيس يميل أكثر إلى الرأي القائل بأن النمو يحصل في الغالب بطريقة تلقائية، ويميل بالتالي إلى تمجيد التعلم الذي يرتكز على مبدأ التوجيه الذاتي، ويقلل من أهمية دور الراشدين في عملية النمو والتعلم، ويرى، علاوة على ذلك، أن بإمكان الفرد أن يعمم استخدام المهارة المكتسبة ليشمل جميع الحقول المعرفية. وفي المقابل يلح فيشر على أهمية الدعمالذي يتلقاه الطفلمن الراشدين، ويعتقد أن لكل حقل من الحقول المعرفية بنية خاصة من المهارات. ولعل التباين في تقدير أهمية الدور الذي تلعبه كل من العوامل الاجتماعية وعوامل النضج الفيزيولوجي في السيرورة النمائية هو ما يفسر اختلاف تصوراتهما لسيرورة النمو العقلي المعرفي، حيث إنها تأخذ شكلا خطيا تصاعديا في نظرية كيس، بينما تأخذ شكل شبكة معقدة في نظرية فيشر.
 
 
...تابع القراءة

البياجيون الجدد
لقد كان لعلم النفس ألمعلوماتي تأثيرعميق في حركة البياجيين الجدد. ولبيان ذلك سنحاول فيما يلي التعريف بأفكار اثنين من كبار ممثلي هذه الحركة، وهما روبي كيس Robbie Case، وكورت فيشر Kurt Fischer.وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدارسين قاموا بجمع ومناقشة أعمال العديد من الباحثين الذين ينتمون إلى هذا التيار الفكري في مؤلفات باتت مشهورة(Kessen, 1984 ; Demetriou. 1988).
2-1- نموذج روبي كيس
أعلن روبي كيس Case بعبارة صريحة انتماءه إلى حركة البياجيين الجدد، وذلك حين قال إن أحسن وصف يمكن أن يوصف به موقفه من مسألة النمو كما طرحها بياجي هو أنه موقف « بياجي جديد»Piagetian-Neo. وبرر ذلك بقوله(Case, 1984 , p. 20):
 » إنني أعتقد مثل بياجي أن أحسن وصف يمكن أن توصف به آليات التفكير لدى الأطفال في مختلف المراحل النمائية هو أنها سلسلة من البنيات الذهنية تكون فيها كل بنية أكثر تطورا من سابقاتها. وكذلك أعتقد مثل بياجي أن شكل هذه البنيات ودرجة تعقيدها في أية مرحلة من مراحل العمر تظل ثابتة مهما تنوعت مضامين الحقول المعرفية (شريطة أن تتوفر للأطفال الظروف المناسبة للتعلم). ومع ذلك فإنني أعتقد، على خلاف ما ذهب إليه بياجي، أن البنيات الذهنية للأطفال يمكن التفكير فيها أحسن بواسطة المفاهيم التي تبلورت في حقل معالجة المعلومات والذكاء الاصطناعي كبديل للمفاهيم التي تبلورت في حقل المنطق الرمزي. ولابد أن يؤدي الاختلاف في طريقة وضع المفاهيم التي تصف البنيات الذهنية للأطفال إلى الاختلاف في طريقة بناء المفاهيم التي تصف عملية الانتقال من مرحلة نمائية إلى أخرى «        
وتعتبر نقط الاتفاق والاختلاف هذه هي السمات المشتركة المميزة للمفكرين البياجيين الجدد، إن ما يجمع بين هؤلاء الباحثين هو سعيهم إلى تصحيح نظرية بياجي في ضوء الإنجازات التي تحققت في ميدان علم النفس المعلوماتي، وإثرائها بالمفاهيم التي تبلورت في هذا المجال.
أخذ كيس Case بعض المفاهيم الأساسية التي تبلورت في حقل علم النفس المعلوماتي ووظفها لتأسيس نظرية تقترح تفسيرا جديدا للنمو كبديل للتفسير الذي قدمه بياجي. تركز هذه النظرية على مصادرة مفادها أن النمو المعرفي يتحقق على مستوى الاستراتيجيات أو ما يسميه «بنية التحكم في الأداء»executive control structure. هذا هو المفهوم المركزي في نظريته، وعرفه بأنه«خطة ذهنية لحل صنف من أصناف المشكلات»(Case, 1984 , p. 21). تنمو هذه البنية مع مرور الزمن، ويدل مفهوم النمو هنا على ازدياد درجة تعقيد البنية. فكلما ازدادت درجة تعقيدها انتقل الفرد إلى مرحلة جديدة من مراحل النمو. لا يحصل الانتقال، إذا نظرنا إليه في ضوء هذه النظرية، من خلال تجاوز بنية المرحلة السابقة، ولكن من خلال دمجها في البنية الجديدة وفقا لمبدأ التراتب. وهكذا، فإن المبدأ المتحكم في النمو المعرفي حسب نظرية كيس هو مبدأ الاندماج المتراتب لبنيات التحكم في الأداء hierarchical integration.كيف يتحقق ذلك في الواقع ؟
يرى روبي كيس أن جميع بنيات التحكم في الأداء تقوم على أساس تصور معين لظروف المشكلة التي تواجه الفرد.فعندما يجد الفرد نفسه أمام مشكلة ما، ثم يفكر في وضع الخطة المناسبة لحلها، فإن ما يحدد الخطة التي يضعها هو تصوره للظروف المناسبة لتطبيقها من جهة،وتصورهللوضعية المرغوب فيها التي تستهدفها الخطة من جهة أخرى. ويشترط أن يكون للفرد بالإضافة إلى ذلك تصور واضح عن الاستراتيجية التي ستوجه نشاطه عبر سلسلة من الإجراءات نحو تحقيق أهدافه. يمكن القول بعبارة أخرى إن ما يحدد بنيات التحكم في الأداء هي تصورات الفرد للوضعية التي تواجهه،  وللوضعيةالتي يرغب فيها، وللإجراءات التي تنقله من الوضعية الأولى إلى الوضعية الثانية. هذه هي الخصائص المشتركة بين جميع نظم التحكم في الأداء. وعلى الرغم من أن لهذه النظم بنية شكلية متماثلة فإنها لا تمكن الفرد من معالجة جميع أنواع المهام وحل جميع المشكلات. والدليل على ذلك هو أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع وخمس سنوات يمرون بنفس المراحل عندما يعالجون مشكلة حسابيةيتطلب حلها توفر القدرة على التعامل مع الأعداد أو مشكلة يحتاج حلها إلى توفر القدرة على التعامل مع الأوزان، أو مشكلة تستلزم توفر القدرة علىتمييز نوع آخر من الكميات. ولكن هؤلاء الأطفال يجدون صعوبة في حل مشكلة مركبة تجمع بين بعدين مختلفين كالعددوالوزن، وذلك على الرغم من أن بنية التحكم في أداء المهمة المتعلقة بمعالجة الأعداد لا تختلف من حيث بنيتها الشكلية عن بنية التحكم في أداء المهمة المتعلقة بمعالجة الأوزان.
ويحصل الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل النمو في حوالي السنة السادسة من العمر عندما يصبح الطفل قادرا على حل المشكلة المركبة من خلال دمج بنية التحكم في معالجة البعد المتعلق بالعدد ببنية التحكم في البعد المتعلق بالوزن على نحو متراتب، حيث يستعمل الهدف المتعلق ببنية التحكم في العدد من أجل حل مشكلة الوزن. هذا مع العلم أن الطفل البالغ من العمر أربع سنوات يمتلك القدرة على استخدام البنيتين معا، ولكنه يستخدم كل واحدة منهما على حدة لحل مشكلة بسيطة، ولا يستطيعالجمع بينهما لحل مشكلة معقدة. يتفق كيس Case مع بياجي وغيره من الباحثين في مجال علم النفس النمائي على أن الانتقال من المرحلة التي تنطلق من السنة الرابعة إلى المرحلة التي تنطلق من السنة السادسة من العمر يمثل التحول الرئيسي في البنية المعرفية بالمقارنة مع تحولات المراحل اللاحقة. ففي حوالي السنة السادسة من العمر تظهر الوظيفة المنطقية لدى الطفل حسبنظرية بياجي، وفي هذه اللحظة نفسها يظهر التفكير البعدي dimentional thought حسبنظرية كيس. وأما نمط التفكير الذي يميز المرحلة التي تمتد من السنة الرابعة إلى السنة الخامسة من العمر فيصفه كيس بأنه تفكير علائقي relational thought. ويحصل الانتقال إلى نمط التفكير البعدي عندما يصبح الطفل قادرا على التنسيق بين بنيات التحكم في الأداء المتوفرة لديه، وتنظيمها بشكل متراتب من أجل الإحاطة بمختلف أبعاد المشكلة.
وتحدث تحولات أخرى في الثامنة والعاشرة من العمر. ولكن هذه التحولات لا تضيف شيئا جديدا إلى البنية المتراتبة التي تشكلت في السنة السادسة، ولا تؤدي إلى ظهور نمط جديد من التفكير. يقول كيس بهذا الصدد:«إن التغير الذي يلحق طريقة اشتغال بنية التحكم في الأداء بعد سن السادسة ليس تغيرا نوعيا كبيرا،إن ما يحدث بعد هذه السن هو عبارة عن سلسلة من التغيرات النوعية الطفيفة. وتعتبر هذه التغيرات في الواقع امتدادا للتغير الذي حصل بين السنة الرابعة والسنة السادسة من العمر، والذي يتعاظم ويتسع مداه تدريجيا »(Case, 1984. p. 26). هكذا يتحقق النمو في جميع مراحل العمر. حيث يتم دمج البنيات السابقة بعضها ببعض بطريقة متراتبة، ويتولد عن ذلك نمط جديد من التفكير. ثم تتبلور البنية الجديدة بشكل تصاعدي عبر سلسلة من المراحل، ويتسع مداها أكثر في كل مرحلة جديدة، وتزداد قدرة الفرد على الإحاطة أكثر فأكثر بمختلف جوانب المشكلات التي تواجهه، ويأخذ بعين الاعتبار في كل مرة عددا أكبر من المتغيرات إلى أن تحصل قفزة نوعية أخرى في سلم النمو المعرفي. هذا هو المبدأ العام الذي يتحكم في عملية النمو.(Case, 1985 , 1992)
تمتد المرحلة الحسية-الحركية في نموذج كيس من صرخة الميلاد إلى الشهر الثامن عشر، تليها مرحلة التفكير العلائقي وتمتد إلى السنة الخامسة. وابتداء من السنة السادسة يظهر نمط التفكير البعدي ويستمر في النمو إلى أن يبلغ ذروته في السنة الحادية عشرة، حيث تبدأ مرحلة التفكير الشكلي أو المجردوالتي يستغرق نموها سنوات عديدة(Case, 1985). وفي كل مرحلة جديدة تزداد درجة تعقد بنية التحكم في الأداء، وتحصل الطفرة عندما يصبح الطفل قادرا على دمج البنيات المكتسبة بعضها  ببعض على نحومتراتب. ولكن، كيف يتسنى له ذلك ؟ ما هي العمليات التي تقف خلف القدرة على دمج البنيات ؟
يميز كيس بين نوعين من العمليات:» العمليات أو القدرات التي يأتي الكائن الإنساني وهو مجهز بها منذ الولادة«، »والقدرات التي لا يأتي الكائن الإنساني وهو مجهز بها منذ الولادة « (Case. 1984 . p. 27). ويرى أن النوع الأول من القدرات يظل ثابتا على الدوام يلعب دور اللامتغير الوظيفي functional invariant الذي تحدث عنه بياجي والذي تمثله عمليات الاستيعاب والتوافق والموازنة في نظريته. ويعتبر اللامتغيرالوظيفي العامل الأساسي الذي يتحكم في عملية  دمج البنيات، ويشمل،حسب كيس، القدرات التالية :
§         القدرة على وضع الأهداف؛
§         القدرة على استخدام الخطاطات schemes أو الخطط الذهنية المتوفرة وفقا لتسلسل جديد من أجل تحقيق الأهداف المرسومة؛
§         القدرة على تقييم نتائج الخطة في تسلسلها الجديد في ضوء الوضعية الراهنة والأهداف المسطرة؛
§         القدرة على هيكلة وتعميم الخطة الناجعة على التجارب المستقبلية وبشكل مقصود؛
§         القدرة على تذكر هذه البنيات (الخطط) التي تم صقلها بواسطة الممارسة المتكررة في المستقبل، ودعمها وهيكلتها باستمرار إلى أن تصبح جزءا من البنيات المتحكمة في الأداء.
تذكرنا هذه القدرات الفطرية،» التي يأتي الكائن الإنساني وهو مجهز بها منذ الولادة«بما قاله لوريا Luria وداس Das وكيربي Kirby عن التخطيط باعتباره وظيفة من وظائف الدماغ. ولكن كيس أضاف إليها قدرات أخرى تتميز بكونها عامة وفطرية إلى حد ما وهي:القدرة على حل المشكلات، والاستكشاف exploration، والتقليد imitationوالتفاعل المتبادل mutual regulation الذي يتجلى من خلال بعض السلوكات كالبسمة المتبادلة مثلا: تبتسم الأم لرضيعها فيبتسم لهابدوره. تظهر هذه القدرات في «سن مبكرة جدا»، خلال الشهر الأول أو الثاني بعد الولادة،ولكننالا نعرف على وجه الدقة ما إذا كانت فطرية أو مكتسبة، والحال أنه أدرجها في صنف العمليات التي يأتي الفرد مجهزا بها منذ الولادة. وبرى كيس أن هذه القدرات الأربع ضرورية لتشغيل العمليات السابقة الذكر وللتحكم فيها، وهي التي تؤدي إلى دمج البنيات المتوفرة لدى الطفل بشكل متراتب، وتدفعه إلى الارتقاء في سلم النمو من خلال إنتاج ببنيات جديدة أكثر تعقيدا وأكثر فعالية. يعتقد كيس أن عملية الدمج تتحقق بشكل تلقائي وبطريقة أوتوماتيكية، ولا يكون للراشدين أي دخل في ذلك. وهذا رأي لا يتفق معه العديد من الباحثين. وسوف نعود إلى مناقشة هذه المسألة في مناسبة لاحقة.
وفيما يتعلق بالقدرات التي لا يأتي الفرد وهو مجهزا بها منذ الولادة،فإن أكثرها أهمية في نظر كيس هي الذاكرة القريبة المدى أو النشيطة. يميز كيس في الذاكرة القريبة المدى بين الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات operating spaceوالحيز المخصص لمخزون الذاكرة القريبة Short Term Storage Space. وتجدر الإشارةهنا إلى أنكيس يستخدمكلمة»حيز« بالمعنى المجازي للدلالة على مدى قدرة الفرد على الانتباه، ويفترض وجود علاقة بين الحيز الذي يشغله مخزون الذاكرة القريبة المدى وبين عملية دمج البنيات، ومعنى ذلك أن نمو الذاكرة القريبة المدى يتيح للفرد إمكانية دمج البنيات بعضها ببعض والانتقال، بالتالي، من مرحلة إلى أخرى. ويطرح كيس، بالإضافة إلى ذلك، فرضية أخرى مفادها أن الطاقة الاستيعابية العامة للذاكرة النشيطة محدودة، ولا فرق في ذلك بين الطفل والراشد. لا توجد فروق، إذن، بين الراشدين والأطفال فيما يتعلق بمدى اتساع حيز الذاكرة القريبة المدى. ومع ذلكيفترض كيس وجود علاقة بينعامل السن ومدى اتساع الحيز الذي يشغله مخزون الذاكرة القريبة المدى. وهكذا، فكلما تقدم الفرد في السن إلا واتسع الحيز المخصص لذلك المخزون في نظره.
وانطلاقا من هذه الفروض، التي أكدتها نتائج البحوث التجريبية والميدانية التي قام بها كيس ومجموعته، يمكنأن نستنبط كل الوقائع والاحتمالات الممكنة. يمكن أن نفهم مثلا لماذا لا يستطيع طفل في الرابعة أو الخامسة من العمر توظيف المعارف المكتسبة لحل المشكلاتالحسابيةوالمشكلاتالمتعلقة بالوزن لمعالجة مهمة مركبة تشمل البعدين معا (العدد والوزن). ذلك لأن معالجة المهام المركبة يتطلب القيام بعمليتين مختلفتين في آن واحد، حيث يتعين على الطفل أن يحتفظ في ذاكرته بأهداف الخطة المتصلة ببنية التحكم في أداء المهمة المتعلقة بالوزن، وأن يقوم في نفس الوقت بتنفيذ خطته لحل المشكلة الحسابية كخطوة ضرورية، وأن يحتفظ بنتائجها لتنفيذ الخطةالمتعلقة بحل مشكلة الوزن. ولكن ذاكرته النشيطة لا تتحمل هذا العبء كله،ذلك لأن انتباهه ينصبعلى عملية معالجة المعلومات فيتسع الحيز الذي تحتله هذه العملية على حساب حيز المخزون. ولا يكون باستطاعته أن يدمج البنيتينمع بعضهما إلا بعد أن يتمكن من تقليص الحيز الذي تحتله عملية معالجة المعلومات، ثم يخصص الحيز المحررللمخزون. وهكذا، فإن نمو الذاكرة القريبة المدى لا يعني الزيادة في حيزها العام، بل يدل فقطعلىاتساع الحيز المخصص للمخزون على حساب الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات. وعندما يتسع حيز المخزون لاحتواء بنيتين مندمجتين تحصل الطفرة في النمو (Case. 1984). ولكن، ما هي العوامل التي تتيح الفرصة لاتساع حيز المخزون في الذاكرة القريبة المدى ؟
عندما تستحوذ عملية معالجة المعلومات على انتباه الفرد تضعف القدرة على الانتباه إلى ما يجب حفظه وتخزينه في الذاكرة. يحصل ذلك عندما يكون الفرد حديث عهد بالمهمة التي يتعين عليه إنجازها،مثله في ذلك مثل سائق سيارة مبتدئ، يركز انتباهه على عملية معينةولا ينتبه إلى ما يجري حوله من الأمور التي قد تشكل خطرا عليه، ويجد صعوبة في التحدث إلى من يرافقه، ويصاب بالإرهاق والإعياء بسرعة. ومع مرور الوقت يكتسب الخبرة والمهارة، ويتمكن من أداء العديد من العمليات بطريقة آلية في آن واحد، فيتحرر انتباهه ويتجه إلى أمور أخرى. وهذا ما يحدث للطفل، فمع كثرة الممارسة يكتسب القدرة على أداء العمليات المعرفية بمزيد من الكفاية والفعالية. وتؤدي القدرة على تحقيق تلك العمليات، أو ما يسميه كيسبالكفاية الإجرائية operational efficiency، إلى تحرير نسبة مهمة من الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات، ويصبح الحيز المحرر في متناول مخزون الذاكرة القريبة المدى.
ويرى كيسأنالممارسة وحدها غير كافية للارتقاء بالكفاية إلى المستوى الذي يحصل معه ذلك التحول،وافترض وجود عوامل أخرى ذات صلة وثيقة بمستوى النضج البيولوجي،يتعلق الأمر بتشكل ونمو غمد النخاعينmyelinization، وهو المادة التيتحيط بالألياف العصبية. ويعتبر تشكل غمد النخاعين مرحلة بالغة الأهمية في نمو الجهاز العصبي، ويأخذ نموه شكل موجات متتالية، تظهر كل موجة فيمرحلة من مراحل العمر. يساعد تنامي هذه المادة على ازدياد سرعة انتقال السيالة العصبية. يفترض كيس وجود علاقة بين نمو غمد النخاعين وازدياد القدرة على أداء العمليات المعرفية.وما يدل على ذلك في نظره هو وجود نوع من التطابق بين مراحل تشكل غمد النخاعين ومراحل النمو العقلي. وربما كان نمو هذه المادة العصبية هو المسئول عن بروز وتنامي القدرة على التفكير الشكلي المجرد لدى كل من المراهقين والراشدينعلى حد سواءCase. 1984b)).
يتفق روبي كيس مع رأي بياجي الذي يقول إن قدرات الأطفال محدودة. وإذا كان بياجي يعتقد أننزعة التمركز حول الذات هي العامل الأساسيالمسئولعن ضعف القدرة على معالجة المعلومات لدى الأطفال، فإن كيسيفسر هذه الظاهرة بعوامل لها علاقة بالإكراهات المرتبطة بالذاكرة القريبة المدىالتي لا تتسع لاستيعاب بنيات التحكم المندمجة التي تمكن من معالجة المهام المعقدة. يتعلق الأمر هنا بالنقص في الحيز المخصص لمخزون الذاكرة النشيطة. ومن آثار هذا العجز ضعف القدرة على التعلم في مراحل النمو الأولى. وتقف العوامل المتصلة بنمو الجهاز العصبي خلف النقص الملاحظ في حيز الذاكرة القريبة المدى. تؤثر هذه العوامل في تنامي الذاكرة القريبة المدى وتحدد وتيرة نموها. يلتقي روبي كيس في هذه النقطة بالذات مع صاحب نظرية «الابستملوجيا البيولوجية»،. ويعتقد مثله أن النمو يسير في اتجاه خطي تصاعدي.. ومع ذلك يلحكيس على أهمية الدور الذي تلعبه التجربة والخبرة المكتسبة وعوامل المحيط في نمو الذاكرة القريبة المدى، إلا أنه يجعل تأثير هذه العوامل مشروطا بمستوى النضج. ويعتقد كذلكأن النمو يحصل بطريقة تلقائية، وهو ما يترتب عنه القول إن عملية التعلم لا تتحقق إلافي حالارتكازها على مبدأ التوجيه الذاتي، ولذلك يستبعد كيس أن يكون للراشدين أي دور في تنامي القدرة على التعلم. وربما جاء هذا الموقف كنتيجة منطقية للمغالاة في تقدير أهمية الدور الذي يلعبه عامل النضج. ومع انه أشار إلى أهمية الممارسة والمعارف المكتسبة والخبرة،إلا أنه غض الطرف عن الإكراهاتالمحتملة التي تخضع لها، كما أنه تحاشى الحديث عن الحدود التي ترسمها لها طبيعة التفاعل مع الغير. فقد يكون للدعموالتدخل الإرشادي الذي يتلقاه الطفل من الكبار دور مهم في تنظيم المعارف المكتسبة باعتباره الشرط الضروري لقيام الخبرة.
 
...تابع القراءة